نُجود علي في أثر جميلة بوحيرد

“رواية توثيقية”

ليس من العدل أن أعبر جسر هذا الكتاب بالذات، دون أن أتوقف عند تلك الأسماء التي أسهمت في تنقيط حروفه الأولى ووضع مسك الختام فيه:

* إلى والديَّ الكريمين وكل أفراد عائلتي..

* إلى شقيقتي لويزة..الأم البديلة والطفرة الإنسانية في عالم الغاب. 

*إلى شقيقتي حسيبة بشكل خاص، لأنها لقّنتني مبادئ الحياة وأبجدية القيم، وقفزت بي من الطفولة إلى النضج.. ولأنها أيضا – ودون أن تدري – أدخلتني قمقم جميلة، لأتخرج منه بضمير من وطن وعزيمة من صدق..

* إلى السادة/ محمدي، عوادي، جمال يحياوي، محمد القورصو، فريد بوطالب، عبد القادر طوابي، سليم بوفنداسة، هشام بوناب، حمادة توفيق؛ لأنهم احترموا عرج خطواتي الأولى ولم يقزّموا طموحي الحالم..

* إلى السيدات/ قيطوني كلثوم دحو، شهرزاد حاجي، جميلة باشوتي، عمراني رتيبة؛ لأنهن أسهمن في وصل شبكة أبحاثي..

إلى السادة: ن. شبيرة، م. شايب، ز. خمار، ر. شتوج، ي. ضيف الله؛ لأنهم تحملوني وساعدوني خطوة بخطوة على تحقيق حلم دام أكثر من 20 سنة..

* إلى صديقاتي الأصيلات والوفيات داخل وخارج الوطن..

* إلى العزيزة  كارمن لبس و”بنت بنت الغالية” دلال..

* إلى نفيسة لحرش مرة أخرى، لأنها تبقى جديرة بالاحترام، لكل ما قدمته لي ولغيري من جيل الشباب..

* إلى كل الصادقين والمخلصين في العالم..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عندما طلبتِ مني أيتها المبدعة نجود، التقديم لروايتك عن جميلة بوحيرد، هزّني الشرف وطار بي الحنين، ولكن رغم تلك النشوة المفاجئة، اعتراني نوع من الحزن والاغتراب؟؟

هزني الشرف لأنك اخترتني أنا لتقديم جهدك العظيم العامر بالتقصي والتفاني الذي أخذ منك مأخذا كبيرا، من الوقت والمال وعظيم الحب والإحساس، علاوة عما فاض به قلمك الرائع من روائع اللغة والأدب، وما تميز به إبداعك الفياض من حب للبطلة وللمكان والوطن، وما تمخض عنه فكرك من توغّل في الأحداث الخاصة والعامة، وما استوحاه خيالك الحالم بين أروقة القصبة الضيقة من وجودية نادرة و.. و.. كثيرة هي الصفات والمميزات التي تُمتّع المتصفح لهذا العمل القيّم الفريد من نوعه.

وطار بي الحنين إلى ذلكم التاريخ الحافل بالوطنية والوفاء، الجميل بمبادئ الكرامة والحرية، المُشبّع بالتضحية والفداء.. هو ذلكم التاريخ المفعم بالتحدي والأنفة والشرف الذي كنت قد عايشت فترة منه مازالت تنخر ذاكرتي، وما أن كبرت حتى درسته وتخصصت فيه، وحلمت أن أساهم ذات يوم في تسجيل بعض الأسطر عنه وعن نسائه البطلات بصورة خاصة، تمنيت أن أكتب عن جميلة وعن مثيلاتها من بطلات الجزائر الخالدات ولكني ولأسباب متعددة، قصّرت في ذلك كواجب وطني وكهواية وكتخصص وكحلم، فتبخر حلمي ذاك مع الأسف!! وها أنت تعطينني الفرصة لأحققه ولو ببضعة كلمات وعدد من الأسطر، مما يجعل شكري لك باقيا ما بقيت على وجه هذه الحياة..

وحزنت، بسبب قلة حيلتي، فمطلبك الغالي الذي لا يمكنني أن أرفضه، يرفعني عاليا ولكنه في الوقت نفسه يجعلني أخاف من تقصيري وعدم قدرتي على إيفائك حقك من التوصيف والتقدير، وأنا التي تابعت كتابك هذا لحظة بلحظة.. ولما كنت أعرف أهمية التقديم لأي كتاب، فقد كان التقديم لكتاب أنت من كتبه، وأنت من اعتبره واجبا وطنيا لحفظ الذاكرة الوطنية، حتى وإن لم تعتبره بطلته نفسها كذلك.. أمر شديد الصعوبة..

أما الأخطر في الأمر أيتها المبدعة المميزة، هو أن حزني قد تنامى وتحول إلى خوف حقيقي، كيف لا والمطلوب مني أن أقدم لكتاب يتحدث عن سيدة ارتبط اسمها بثورة الجزائر العظيمة، سجلت علامتها واسمها في التاريخ الثوري للجزائر المعاصرة، والتي لا يمكن تجاوزها أبدا مهما نسينا أو تناسينا.. فكيف لي أن أوفيك حقك وحقها، وقد
رصّعتما بوطنيتكما وأصالتكما تاريخ هذا الوطن العزيز الغالي، وأبيتما رغم اختلاف مشاربكما، وتفاوت جيليكما، إلا أن تسطعا كجوهرتين لامعتين في فضاء، يعج بالملحقات الفضفاضة والفارغة.

الجميلة نجود، إصرارك على تعقّب جميلة نضاليا عبر بوابات القصبة العتيقة، أو عبر الأرشيف القليل، الذي صنعته ذات يوم، ثم لفظته، يجعل منك مفخرة للشابات الجزائريات وأنموذجا آخر للمرأة المناضلة، التي تشكل الاستمرارية التاريخية للمرأة الجزائرية، حتى وإن حاولت المناضلة جميلة حرماننا من معرفة هذا التاريخ أو الافتخار به..

الجميل في كتابك هذا يا نجود، هو أنك قد راعيت مشاعر وأحاسيس هذه السيدة المناضلة، واكتفيت بإبراز مشاعرك وأحاسيسك العفوية تجاهها، كما جاءت طريقتك في تناول الموضوع، بارعة وإنسانية بالرغم من صعوبته، بسبب صمت بطلته، وهو ما ينم عن قدرة كبيرة في امتلاك كم هائل من المعلومات التاريخية والأرشيفية، المرتبطة ارتباطا حقيقيا بالصور الخيالية والفوتوغرافية وبالمكان الذي لا يمكن أبدا لمخرج سينمائي أن يتجاهله..

فكرتك الجديدة للكتابة التاريخية البارزة في هذا الكتاب يا نجود، جعلت الأدب يتناغم مع التاريخ، ليضفي عليه أسلوبك الرائع ولغتك العربية الجميلة وطرحك الفكري والإنساني المتزن والراقي، لباسا أدبيا جميلا، لا أشك أبدا في قدرته على أسر القارئ وإفادة الباحث المتعطش إلى المعلومة الموثقة.. لقد أثبتِ في كتابك هذا، مثلما فعلتِ في كتابك السابق “عرائس بربروس: مجاهدات على قيد الخلود”، قدرة فذة على جمع متنافرات عديدة مع بعضها في توظيف جمالي متناغم، يجعل منه إحدى روائع حب الوطن النادرة وما أحوجنا اليوم، وفي قادِم الأيام إلى من يكتب بهذا الشكل الجميل الرائع للوطن ولأبطاله الأوفياء..

المبدعة نجود، مهما حاولت البوح تقديما لهذا الكتاب، أو لصاحبته أو حتى لبطلته فأنا لن أستطيع أن أوفي أو أكفي، فأنتِ قد فرضت قلمك واسمك.. أما بطلة كتابك جميلة، فهي في حد ذاتها أسطورة التاريخ الوطني والدولي، حتى وإن كان تاريخا يرفض أن يفشي أسراره، ويرفض أن يشوّه أو يداس، فجئتِ أنت لتنفضي الغبار عنه من نفسك ومن حسك ومن مشاعرك، ولتقولي للتاريخ رغما عنك، ورغما عمن يكتبون: كفى تهميشا للنساء، وكفى حجرا على أعمالهن ونضالاتهن!!
حقيقة أن ما أسجله من هذه الأسطر، إنما يعكس تخوّفاتي التي كنتُ قد قدّمت لها سابقا، وأعترف بأني قد عجزت مثلما عجز قلمي، عن تقديمك وتقديم كتابك هذا الجميل الرائع، بما يستحقه وبالشكل الذي يليق بك، حتى وإن رأيتك شعلة من الأمل القادم الذي اجتهد كثيرا في الاحتضان العفوي لإنسانية ووطنية، يعز توفّرهما اليوم في هذا الجيل.. جيل فقد نبراسه المستوحى من تضحيات شعبنا ضد الاستعمار والتخلف والاتّكالية..

لم يبق لي آنستي، إلا أن أهنّئك على هذا الكتاب المختلف والجميل، وأن أتمنى لهذا المجهود المفعم بالتحدي والإخلاص، أن يجد طريقه للشباب الذي لا يعرف جميلة بوحيرد رغم ما تحمله من تاريخ وطني مجيد.. وأني لأشكرك على إعطائي هذه المساحة لأخط اسمي على الصفحة نفسها، التي يخط فيها اسمك واسم جميلة، فكلاكما قدوة نضالية تلتقي مع تطلعاتي وقناعاتي ونضالاتي.. شكرا لك نجود ومزيدا من التألق والنجاح.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

https://shorturl.at/ZsCH3


التعليقات

أضف تعليق